أم سعودية تحتضن رضيعها المتشبث بها بينما الجدة تجلس بجانبهما في غرفة معيشة دافئة — رفض الرضيع للأشخاص ظاهرة طبيعية

رفض الرضيع للأشخاص ليس مشكلة! إليكِ السبب وطريقة التعامل

جاءتني قبل أسابيع أمٌّ شابّة تجرّ خلفها حقيبة ظهر وطفلًا في شهره الثامن، وجلست أمامي وهي تكاد تبكي. قالت: «يا دكتور، أنا محرَجة من أمّي. كل ما تشيل ولدي يصرخ ويرجع لي. أمّي زعلت وقالت لي: أنتِ مخلّيته ما يعرف أحد غيرك!». نظرتُ إليها وابتسمتُ: «الله يعينك… بس طمّنيك، ولدك ما يكره جدّته. ولدك يحبّك أنتِ لدرجة إنه خايف يفقدك.»

هذا المشهد يتكرّر في عيادتي مرّات كثيرة. أمٌّ قلقة، وجدّة مجروحة، وأب حائر، وطفل صغير لا يملك من اللغة إلا البكاء. ورغم أن رفض الرضيع للأشخاص يبدو مشكلة اجتماعية محرجة، إلا أنه — من منظور علم نفس الطفل — علامة صحّية تدلّ على أن الصغير يتطوّر تطوّرًا عاطفيًّا سليمًا. ومعرفة هذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن تُخفّف كثيرًا من قلق الأمّهات والآباء.

في هذا المقال سأمشي معك الطريق خطوة بخطوة: لماذا يرفض رضيعك بعض الوجوه؟ ومتى يبدأ هذا السلوك ومتى ينتهي؟ وما العوامل التي تزيده أو تُخفّفه؟ والأهمّ: كيف تتعاملين معه بحكمة تحفظ مشاعر طفلك ومشاعر أهلك في الوقت نفسه؟

لماذا يرفض الرضيع أشخاصًا بعينهم؟

قلق الانفصال: جذر المسألة

رضيع يبكي ويمد يديه نحو أمه أثناء حمله من شخص آخر — علامة قلق الانفصال الطبيعي عند الرضع
حين يمدّ الرضيع يديه باكيًا نحو أمّه فهو لا يرفض من يحمله، بل يخاف فقدان مصدر أمانه الوحيد

بين الشهر السادس والشهر التاسع تقريبًا، يحدث تحوُّل كبير في دماغ الرضيع. يبدأ الطفل يُدرك أن أمّه — أو مقدّم الرعاية الأساسي — كائنٌ منفصل عنه، وأنها حين تختفي عن عينيه قد لا تعود. هذا الإدراك الجديد يُولّد عنده ما يُعرف بـ «قلق الانفصال» (Separation Anxiety)، وهو مرحلة طبيعية تمامًا في نموّ الطفل العاطفي والمعرفي.

حين يُمسك شخص غير مألوف الطفلَ، يشعر الصغير أن مصدر أمانه يبتعد، فيصرخ ويبكي ويمدّ يديه عائدًا نحو أمّه. ليس كرهًا لذلك الشخص، بل خوفًا من فقدان الأمان. والفرق بين الأمرين شاسع. الطفل في هذه اللحظة لا يقول «أنا لا أحبّ هذا الشخص»، بل يقول «أنا أخاف أن أفقدك أنتِ».

التعرّف على الوجوه: مهارة جديدة

في الأشهر الأولى يبتسم الرضيع لكلّ وجه يميل نحوه. تلك الابتسامة العشوائية التي تُفرح كلّ من يراها. لكن مع نضج بصره وذاكرته، يبدأ بالتمييز: هذا وجهٌ أراه كل يوم، وهذا وجهٌ لا أعرفه. هذا التمييز مكسب تطوّري مهمّ يدلّ على أن ذاكرة الطفل تعمل بكفاءة، لكنّه يصاحبه حذر طبيعي من الغرباء أو حتى من أقارب لا يراهم الطفل بانتظام.

أتذكّر أبًا قال لي ضاحكًا: «ولدي يقبل كل الناس إلا أخوي! يشوفه ويصيح». سألته: كم مرة يزوركم أخوك؟ أجاب: «مرة كل شهرين». قلت له: بالنسبة لرضيع عمره سبعة أشهر، شهران يساويان نصف حياته. أخوك بالنسبة له شخص شبه غريب. والطفل محقّ في حذره، حتى لو لم يُعجبنا ذلك.

الحواسّ تلعب دورًا أكبر ممّا نظنّ

ليس الوجه وحده ما يُثير ردّة فعل الرضيع. أحيانًا يكون السبب رائحة عطر قوية لم يعتد عليها، أو صوتًا عاليًا مفاجئًا، أو نظّارة تُغيّر شكل الوجه المألوف، أو حتى لحية كثيفة لم يرها من قبل. حواسّ الرضيع أدقّ ممّا نتخيّل، وهو يعالج المعلومات بطريقته الخاصة. جاءني مرّة أبٌ يقول إن ابنته تبكي كلّما حملها جدّها، وبعد بحث اتّضح أن الجدّ يضع عطرًا نفّاذًا جدًّا. غيّر العطر، وتحسّنت الأمور بشكل ملحوظ خلال أيام.

مزاج الطفل الفطري

ثمّة عامل يغفل عنه كثيرون: المزاج الفطري. بعض الأطفال يولدون بطبيعة اجتماعية منفتحة، يبتسمون لكل وجه ويتقبّلون التغيير بسرعة. وبعضهم يأتي بمزاج حذر متأنٍّ، يحتاج وقتًا أطول ليرتاح مع أيّ شيء جديد — سواء كان وجهًا أو مكانًا أو طعامًا. وكلا المزاجين طبيعي. الطفل الحذر ليس «خوّافًا» ولا «مدلّعًا»، بل هو طفل يعالج العالم من حوله بإيقاعه الخاص، وإجباره على تسريع هذا الإيقاع لن يفيده بل قد يُعيقه.

متى يبدأ رفض الرضيع للأشخاص ومتى ينتهي؟

المرحلة العمريةما يحدث عادةً
من الولادة إلى 4 أشهريقبل الرضيع معظم الوجوه دون تمييز واضح
من 4 إلى 6 أشهريبدأ بتفضيل الوجوه المألوفة، لكنه لا يرفض الآخرين بشدّة
من 6 إلى 9 أشهرتظهر ذروة قلق الانفصال والخوف من الغرباء — هنا يبدأ رفض الرضيع للأشخاص بشكل واضح
من 9 إلى 12 شهرًايستمر القلق لكنه يبدأ بالتراجع تدريجيًّا مع تكرار التجارب الإيجابية
من 12 إلى 18 شهرًايتحسّن الأمر عند معظم الأطفال مع اتّساع دائرتهم الاجتماعية
بعد 18 شهرًايصبح أغلب الأطفال أكثر تقبّلًا، مع بقاء تفضيل واضح للوالدين

هذا الجدول تقريبي بالطبع. بعض الأطفال تمتدّ عندهم هذه المرحلة حتى عمر السنتين أو بعدها بقليل، وهذا لا يعني خللًا بل يعني أن الطفل يحتاج وقتًا أطول — وهذا حقّه. المهمّ أن يكون مسار النموّ العام في تحسّن، وإن كان بطيئًا.

ردود فعل الأهل: بين الإحراج والضغط على الطفل

هنا المفترق الحقيقي. كثير من الأمّهات يقعن في مأزق اجتماعي حقيقي حين يرفض طفلهن جدّته أو خالته أو عمّته. الضغط الاجتماعي العائلي يكون أحيانًا أصعب من التعامل مع الطفل نفسه. الأمّ تجد نفسها محاصرة بين غريزتها التي تقول لها «احمي طفلك» وبين نظرات الأقارب التي تقول لها «تصرّفي».

ما يقوله الأقارب عادةً

عبارات مثل: «مدلّعته زيادة»، «ما تخلّيه يتعوّد على أحد»، «أيّام زمان كنّا نعطي العيال لأيّ أحد وما يصير شيء»، «لو تتركيه يومين عندي يتعوّد» — هذه العبارات، وإن كانت تخرج بنيّة طيبة غالبًا، إلا أنها تضغط على الأم وتدفعها لإجبار طفلها على الذهاب إلى حِضن لا يريده. والأمّ في تلك اللحظة تحتاج دعمًا لا لومًا.

لماذا الإجبار يزيد المشكلة؟

حين تنتزعين طفلك من حضنك وتضعينه في يد شخص يخاف منه، أنتِ تُرسلين له رسالة مزدوجة: «أنا مصدر أمانك، لكنني لن أحميك حين تحتاجني». هذا يُضعف ثقته بك، ويزيد تشبّثه بك لاحقًا. نعم، العكس تمامًا ممّا يظنّه كثيرون. تريدين أن يكون طفلك أقلّ تعلّقًا؟ كوني أكثر استجابةً لاحتياجه، لا أقلّ.

الطفل لا يتعلّم الأمان بالإجبار. يتعلّمه بالتدريج، وبأن يرى أمّه هادئة ومطمئنة بجانب هذا الشخص. الطفل يقرأ وجه أمّه قبل أن يقرأ وجه أيّ أحد آخر. إن رآها مرتاحة، اطمأنّ. وإن رآها متوتّرة أو مذنبة، زاد قلقه هو أيضًا.

كيف تتعاملين مع رفض الرضيع للأشخاص بحكمة؟

1. لا تجبري طفلك، ولا تعتذري عنه

أوّل قاعدة أقولها لكل أمّ: طفلك لا يُسيء الأدب حين يبكي في حضن جدّته. هو يُعبّر عن شعور حقيقي لا يملك كلمات له بعد. لا تعتذري عن مشاعره، ولا تقولي «آسفة، ما أدري وش فيه». بل قولي ببساطة وبهدوء: «يحتاج شوي وقت، الله يعينك عليه.» هذه الجملة القصيرة تحترم طفلك وتحفظ مشاعر الطرف الآخر معًا.

2. ابدئي بالقرب لا بالتسليم

أم سعودية تجلس مع طفلها الرضيع بجانب الجدة على الأرض والجدة تقدم لعبة للطفل بهدوء — طريقة تعويد الرضيع على الأشخاص الجدد بالتدريج
الطريقة المثالية لكسر حاجز رفض الرضيع للأشخاص: الجدّة تجلس بمستوى الطفل وتلاعبه بلعبة دون محاولة حمله، والأمّ قريبة منه

إذا أردتِ أن يعتاد طفلك على شخص ما، لا تسلّميه مباشرة. اجلسي بجانب ذلك الشخص، ودعي الطفل يراكما معًا وأنتِ مرتاحة ومبتسمة. دعيه يسمع صوتكما تتحدّثان بودّ. بعد دقائق، اجعلي الشخص يلاعبه بلعبة وهو في حضنك أنتِ. ثم — إن أبدى الطفل ارتياحًا — يمكن الانتقال التدريجي. لا تتعجّلي هذه الخطوات، فكل دقيقة من الراحة تُبني عليها ثقة.

3. التكرار هو المفتاح

الرضيع يحتاج إلى تكرار رؤية الوجه نفسه في سياق آمن حتى يُسجّله ضمن دائرته. زيارة واحدة كل عيد لن تكفي. إذا كان الشخص قريبًا يعيش في نفس المدينة، زيارات قصيرة متكرّرة — حتى لو كانت ربع ساعة — أفضل بكثير من زيارة واحدة طويلة كل شهر. الذاكرة عند الرضيع قصيرة، والتكرار هو ما يحوّل الوجه الغريب إلى وجه مألوف.

4. احترمي إشارات طفلك

حين يلتفت الرضيع بعيدًا عن شخص ما، أو يُخفي وجهه في صدرك، أو يشدّ ملابسك بيديه الصغيرتين — هذه إشاراته لك بأنه غير مرتاح. احترمي هذه الإشارات ولا تتجاهليها. قولي للشخص الآخر بلطف: «خلّه يرتاح شوي وبعدين يجيك». فهم لغة جسد الرضيع مهارة ثمينة تُسهّل عليك كثيرًا من المواقف اليومية.

5. دعي الشخص المرفوض يبني علاقته بنفسه

بدلًا من أن تضعي طفلك في حضن جدّته وتمشي، اطلبي من الجدّة أن تجلس على الأرض بمستوى الطفل، وتلاعبه بلعبة يحبّها، وتتحدّث إليه بصوت هادئ دون أن تحاول حمله. الطفل حين يشعر أن الشخص لا يُهدّد مساحته الآمنة ولا يحاول سحبه من أمّه، يبدأ بالاقتراب بنفسه. وهذا — صدّقيني — أجمل بكثير من حمله وهو يصرخ. هناك فرق كبير بين طفل ذهب بنفسه إلى حضن جدّته وطفل وُضع فيه رغمًا عنه.

6. استخدمي الأشياء المألوفة كجسر

حين تزورون بيت الأقارب، احملي معك لعبة طفلك المفضّلة أو بطانيته التي ينام بها. هذه الأشياء المألوفة تعمل كـ «قطعة أمان» تُخفّف من حدّة المكان الجديد والوجوه الجديدة. وحين يمسك الطفل شيئًا يعرفه وتفوح منه رائحة بيته، يشعر أن العالم من حوله أقلّ غرابة.

ماذا عن الأب؟ حين يرفض الرضيع أباه

أب سعودي يجلس على الأرض ليلًا يلاعب رضيعه بلعبة صغيرة في أجواء حميمية — بناء رابطة الأبوة مع الرضيع الرافض
عشر دقائق يومية من اللعب الهادئ بين الأب ورضيعه كافية لبناء رابطة قوية تُنهي رفض الرضيع لأبيه تدريجيًّا

هذه نقطة تؤلم كثيرًا من الآباء ولا يتحدّثون عنها. في مجتمعنا، الأب أحيانًا يخرج للعمل من الصباح الباكر ولا يعود إلا مساءً مُتعبًا، وقد يسافر أيّامًا. حين يعود ويمدّ يديه لطفله فيبكي الصغير ويتشبّث بأمّه، يشعر الأب بطعنة صامتة لا يبوح بها لأحد.

أقول لكل أب يمرّ بهذا: لا تأخذها بشكل شخصي. طفلك لا يرفضك أنت، بل يرفض الغياب. والحلّ ليس في العتاب ولا في الانسحاب ولا في عبارة «خلاص ما يبيني»، بل في بناء لحظات يومية صغيرة ثابتة: اللعب معه عشر دقائق قبل النوم، إطعامه وجبة واحدة، تغيير حفاضه مرة في اليوم، حمله والمشي به قليلًا في أنحاء البيت، الغناء له بصوت هادئ. هذه اللحظات الصغيرة المتكرّرة هي التي تبني الرابطة، لا الهدايا ولا المحاولات الكبيرة المتقطّعة.

أتذكّر أبًا قال لي بعد شهرين من تطبيق هذا الكلام: «يا دكتور، ولدي صار يزحف ناحيتي لما أفتح باب البيت». ابتسمتُ وقلت له: «هذي أحلى جائزة تاخذها في حياتك، وما فيها أحلى منها.»

أخطاء شائعة في التعامل مع رفض الرضيع للأشخاص

بعد سنوات طويلة في العيادة، رأيت أنماطًا تتكرّر في كل بيت تقريبًا. دعيني أضع أبرزها أمامك بصراحة حتى تتجنّبيها:

الخطألماذا هو ضارّ؟البديل الأفضل
إجبار الطفل على الذهاب لشخص يرفضهيُضعف ثقته بأمّه ويزيد قلقهالانتقال التدريجي مع بقاء الأم قريبة
السخرية من بكائه: «كبّر عقلك!»تُنكر مشاعره وتُعلّمه أن خوفه عيبالاعتراف بمشاعره: «أعرف إنك خايف، أنا هنا»
الاختفاء فجأة وتركه مع شخص آخريُعزّز قلق الانفصال بشكل حادالوداع القصير والهادئ دائمًا
مقارنته بأطفال آخرين: «شوف ولد خالتك ما يصيح»كل طفل مزاجه مختلف، والمقارنة تُثقل الأمفهم أن الفروق الفردية طبيعية وصحّية
تركه يصرخ حتى «يتعوّد»لا يتعوّد، بل يتعلّم أن لا أحد يستجيب لهالاستجابة ثم التهدئة ثم المحاولة لاحقًا
إلهاؤه بالشاشة حتى ينسىيُعالج العَرَض ويتجاهل الحاجة الحقيقيةالحضور الجسدي والاحتواء العاطفي

البُعد الإسلامي: الرحمة أساس التربية

في ديننا، النبيّ ﷺ كان أرحم الناس بالأطفال. كان يحمل الحسن والحسين ويُقبّلهما أمام الصحابة، ولم يكن يرى في ذلك ما ينقص من مقامه شيئًا. وحين قال له الأقرع بن حابس: «إن لي عشرة من الولد ما قبّلتُ منهم أحدًا»، قال له ﷺ: «أوَ أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» (متفق عليه).

هذا الحديث يحمل درسًا عظيمًا لكل أب وأمّ: الطفل يحتاج رحمة لا قسوة، واحتواءً لا إجبارًا. ورفض الرضيع للأشخاص لا يحتاج عقابًا ولا تأنيبًا ولا «تطنيشًا»، بل يحتاج صبرًا وتفهّمًا وحكمة.

والأم التي تحمي مساحة طفلها الآمنة لا تُدلّعه كما يظنّ البعض — بل تُربّيه على أن مشاعره محترمة، وأن بيته مكان أمان، وأن صوته مسموع حتى لو كان بكاءً. وهذا أساسٌ تربوي عميق نحتاجه في بناء شخصية الطفل من أوّل سنواته. الطفل الذي يتعلّم أن مشاعره مهمّة يكبر ليصبح إنسانًا واثقًا بنفسه، قادرًا على التعبير عن احتياجاته بطريقة صحّية.

رفض الرضيع للأشخاص في المناسبات العائلية

أم تحتضن رضيعها في زاوية هادئة بينما تجمع عائلي كبير يدور في مجلس سعودي خلفها — رفض الرضيع للأشخاص في المناسبات العائلية
التجمّعات العائلية الكبيرة بأصواتها ووجوهها الكثيرة تزيد من رفض الرضيع للأشخاص — ومنح الطفل مساحته الهادئة هو التصرّف الأحكم

الأعياد والتجمّعات العائلية الكبيرة هي أكثر المواقف إحراجًا للأمّ. عشرات الوجوه الجديدة، أصوات عالية، ضحكات، أحضان متتابعة من أشخاص لم يرهم الطفل منذ أشهر، بيئة مزدحمة ومحفّزة بصريًّا وسمعيًّا — كل هذا وصفة مثالية لأن ينهار الرضيع ويرفض الجميع دون استثناء.

نصيحتي لكل مناسبة عائلية: لا تتوقّعي من رضيعك أن يكون «اجتماعيًّا» في مكان صاخب. أعطيه مساحته. احمليه إن أراد ذلك. اخرجي معه إلى غرفة هادئة إن احتاج. ولا تجعلي رأي الناس أو تعليقات العمّات يضغط عليك لتتصرّفي عكس ما يحتاجه طفلك. المناسبة تنتهي في ساعات، لكن ثقة طفلك بك تدوم سنوات طويلة.

وإن أردتِ أن تُمهّدي للمناسبة، جرّبي أن تُري طفلك صور الأقارب أو مقاطع فيديو لهم قبل الزيارة بأيام. هذا لن يصنع معجزة، لكنه قد يُخفّف من صدمة الوجوه الجديدة. والتوقّعات الواقعية نصف الراحة.

نصائح مختصرة للجدّات والأقارب

هذا القسم أكتبه بكل ودّ واحترام للجدّات والأجداد والأعمام والخالات — الله يحفظكم ويبارك فيكم ويعطيكم العافية:

  • لا تأخذوا رفض الطفل بشكل شخصي. هو لا يكرهكم ولا يُميّز بينكم، بل يحتاج وقتًا ليعرفكم. وهذا لا يعني أنه لا يحبّكم، بل يعني أنه لم يعرفكم بعد بما يكفي.
  • لا تنتزعوا الطفل من أمّه. اجلسوا قربها ودعوا الطفل يأتي بنفسه حين يكون جاهزًا. الصبر هنا كرمٌ، وليس ضعفًا.
  • قدّموا أنفسكم بهدوء. صوت خفيض، ابتسامة دافئة، لعبة صغيرة تُقدَّم من بعيد. الأطفال ينجذبون لمن يُشعرهم بالأمان لا لمن يطاردهم بالأحضان.
  • ادعموا الأمّ بدل لومها. قولوا لها: «الله يعينك، واضح إنه متعلّق فيك، ماشاء الله عليه». هذه الكلمة تصنع فرقًا هائلًا في نفسيّة الأم، وتُعينها على أن تكون أكثر هدوءًا مع طفلها.
  • تذكّروا أن هذه مرحلة وتعبر. بعد أشهر قليلة سيركض نحوكم بنفسه ويقفز في أحضانكم، وستضحكون جميعًا على أيام البكاء هذه.

متى يستدعي الأمر استشارة مختصّ؟

رفض الرضيع للأشخاص الغرباء أو قليلي الزيارة أمرٌ طبيعي في الغالبية العظمى من الحالات. لكن هناك مؤشّرات تستحقّ أن تتوقّفي عندها وتستشيري فيها طبيب أطفال أو مختصًّا في النموّ والتطوّر:

  • إذا استمرّ الرفض الشديد بعد عمر السنتين دون أي تحسّن ملحوظ رغم المحاولات المتكرّرة.
  • إذا كان الطفل يرفض جميع الأشخاص بمن فيهم الوالدان أنفسهم في بعض الأحيان.
  • إذا صاحب الرفض تأخّر واضح في التواصل البصري، أو عدم الاستجابة لاسمه حين يُنادى، أو غياب اللعب التفاعلي المناسب لعمره.
  • إذا كان القلق شديدًا لدرجة أنه يمنع الطفل من النوم أو الأكل أو الاستمتاع بأيّ نشاط.
  • إذا لاحظتِ تراجعًا مفاجئًا — أي أن الطفل كان يتقبّل الآخرين ثم توقّف فجأة دون سبب واضح.

أقول دائمًا لكل أمّ وأب: استشارة المختصّ ليست ضعفًا ولا مبالغة، بل هي وعيٌ ومسؤولية. والوالد الذي يسأل ويبحث خيرٌ بكثير من الذي يُخمّن ويتمنّى.

خلاصة

رفض الرضيع للأشخاص ليس مشكلة سلوكية ولا دلالًا زائدًا ولا فشلًا في التربية. هو مرحلة نموّ طبيعية يمرّ بها أغلب الأطفال بين الشهر السادس والسنة الأولى تقريبًا، وجذرها قلق الانفصال ونضج قدرة الطفل على تمييز الوجوه المألوفة من الغريبة. التعامل الأمثل يقوم على ثلاثة أعمدة: احترام مشاعر الطفل دون إجبار ولا استهزاء، التدرّج في تعريضه للأشخاص الجدد مع بقاء الأم مصدر أمان قريبًا ومرئيًّا، وتثقيف المحيط العائلي بأن هذا السلوك علامة صحّة وتطوّر لا علامة خلل أو تدليل. الصبر هو العملة الوحيدة المقبولة هنا، والنتائج تأتي حتمًا حين نمنح الطفل الوقت الذي يحتاجه بدلًا من الوقت الذي يُناسبنا نحن الكبار.

طفل صغير بعمر سنة ونصف يمشي بثقة في حديقة مشمسة نحو جدته التي تفتح ذراعيها والأم تراقب بابتسامة — نهاية مرحلة رفض الرضيع للأشخاص
بالصبر والتدريج تنتهي مرحلة رفض الرضيع للأشخاص — ويأتي اليوم الذي يركض فيه الطفل نحو أحضان جدّته بنفسه

وأنتِ — أيتها الأم التي تقرأ هذا المقال وطفلها ملتصق بها الآن كظلّها — اعلمي أن هذا التشبّث دليل حُبّ كبير، ودليل أنك صنعتِ لطفلك قاعدة أمان متينة. لا تستعجلي عليه. سيأتي يوم يركض بعيدًا عنك في ساحة المدرسة دون أن يلتفت، وستقفين عند بوّابة المدرسة تتمنّين لو يعود ذلك الرضيع الذي لم يكن يريد أحدًا في الدنيا سواك.

هل مررتِ بموقف مشابه مع طفلك؟ كيف تعاملتِ معه؟ وهل ساعدك شخص من العائلة أم زاد الأمر عليك صعوبة؟ شاركيني تجربتك، فكلمة صادقة منك قد تكون نورًا لأمّ أخرى تمرّ بنفس الحيرة الآن.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *